الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
60
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من لفظ الملكة ولا من أسماء العلوم إلا في بعضها كالفقيه والمتكلم ولنختم الكلام في المرام بذكر قاعدة في المقام أشار إليها جماعة من الأعلام وهي أن كل معنى يشتد الحاجة إلى التعبير عنه بالخصوص ويكثر الاحتياج في المحاورات إلى بيانه يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه سواء أخذ ذلك المعنى على إطلاقه ووضع اللفظ بإزائه فيكون كل من الوضع والموضوع له عاما أو اعتبر المعنى المفروض ووضع اللفظ لجزئياته ليكون الوضع عاما والموضوع له خاصا فليس الكلام في خصوصية الوضع وإنما المقصود ثبوت الوضع له في الجملة وعدم الاكتفاء في بيانه بالمجاز والإشارة ونحوهما وقد نص على الحكم المذكور العلامة رحمه الله في التهذيب والنهاية وأطال القول فيه في النهاية في باب العموم واحتج به في إثبات الوضع للفظ موضوع لغة للعموم وقد حكى إنكاره عن جماعة منهم السيد والشيخ والآمدي والعضدي والأظهر الأول ويدل عليه أمور الأول أن المقتضى الوضع موجود والمانع منه مفقود فيجب تحققه أما الأول فلأن الباعث على وضع الألفاظ وهو تسهيل الأمر في التعبير عما في الضمير عند الحاجة إلى التعبير والمفروض ثبوت الحاجة في المقام على الوجه الأكمل وأما الثاني فظاهر لإمكان الفعل في نفسه وقدرة الواضع على إيجاده فإن قلت إن ذلك إنما يتم إذا كان الواضع عالما بشدة الحاجة إليه وكثرة دورانه بين الناس حتى يكون مقتضيا لوضعه وهو ممنوع قلت إن قلنا بكون الواضع هو الله تعالى فظاهر وإن قلنا بأنه البشر لوضوح أن مثل ذلك مما لا يكاد يخفى عليه لمعاشرته للناس ومعرفته مما يحتاجون إليه في التعبيرات ففرض جهله بالحال خارج عن مجاري العادات سيما فيما يعم به البلية ويكثر الحاجة إليه في المخاطبات الدائرة الثاني أن قضية الحكمة عدم إهمال الوضع بالنسبة إلى ما كان كذلك إذ بعد البناء على وضع الألفاظ بإزاء المعاني وجعلها آلة للتعبير والإفهام لو أهمل الوضع في المقام لم يكن إفهامها إذن بالألفاظ وتوقف على ملاحظة الإشارات وضم القرائن والأمارات وذلك في الأمور الدائرة المتداولة مخالف للحكمة الباعثة على وضع الألفاظ فإن قلت إن الواضع لم يهمل وضع الألفاظ بإزاء تلك المعاني بالمرة حتى يتوقف بيانها إلى التعبير بالإشارة والإفهام بغير اللفظ والعبارة حتى يرد ما ذكرت بل وضعت جملة من الألفاظ بإزاء معاني خاصة ثم وضعها الكل ما يناسب تلك المعاني ويرتبط بها ارتباطا مخصوصا بالوضع النوعي الترخيصي وهو كاف في إفهامها بالألفاظ وإن افتقر إلى ضم بعض القرائن كما هو الحال في المشتركات مع تعلق الوضع التعييني بها فأي مانع من اكتفاء الواضع فيها بذلك فالمدعى هو حصول الوضع التعييني المخصوص بالحقائق والذي يقتضيه الوجه المذكور وهو ثبوت الوضع على الوجه الأعم قلت لا ريب في أن الحكمة في وضع الألفاظ هو تسهيل الأمر على الناس في بيان مطالبهم والتعبير عما في ضمائرهم وقضية ذلك كون الأوضاع المتعلقة بها تعيينه على ما هو الحال في أوضاع الحقائق اللغوية إذ هو الطريق الأكمل والنحو الأسهل في ذلك لما في التعبيرات المجازية من توقف الإفهام على القرينة فمع ما فيها من الإطالة قد يخفى القرينة أو يصعب إقامتها في بعض الموارد فيختل الأمر ولأجل ذلك كان الاشتراك على خلاف ذلك الأصل مع ظهور الفرق بين القرينة المعتبرة في المجاز والحاصلة في المشترك إذ ليست القرينة المعتبرة في المشترك باعثة على الإفهام لحصول الفهم بعد العلم بالوضع كما مر بخلاف المجاز فإن نفس إفهام المعنى إنما يجيء من القرينة دون الوضع المتعلق به كما سبق بيانه نعم لما كان في المجاز فوائد أخر خاصة زائدة على أصل التعبير عما في الضمير من محسّنات لفظية ومعنوية وخص الواضع فيه أيضا ليكمل المقصود واختياره على الحقيقة في المحل اللائق به إلا أن يكتفي به من تعين اللفظ للمعنى لما فيه من المنافاة لما هو أصل الفرض من وضع الألفاظ سيما بالنسبة إلى المعاني الدائرة وجدنا المعاني التي يشتد إليها الحاجة ويكثر دورانها في المحاورات وقد وضع والأمور المتداولة نعم له كان هناك معنى فلا يحتاج إلى التعبير عنه في المخاطبات فربما يكتفي لبيانه بالمجازات الثالث أنه إذا تتبعنا الألفاظ الموضوعة الدائرة وجدنا المعاني التي يشتد إليها الحاجة ويكثر دورانها في المحاورات وقد وضع الألفاظ بإزائها ولم يهملها الواضع ليتوقف استعمالها فيها على ملاحظة العلاقة بينها وبين غيرها فإذا شك في وضع اللفظ بإزاء معنى من تلك المعاني فالظن يلحق المشكوك بالأعم الأغلب فإن قلت إنا نجد كثيرا من المعاني التي يشتد الحاجة إليها قد أهمل الواضع وضع لفظ خاص بإزائها فلا يتم ما ذكر من الاستقراء فإن أنواع الروائح كرائحة المسك والعنبر والعود ونحوها من المعاني المتداولة بخصوصها لم يوضع لها لفظ بالخصوص وكذا كثير من المياه المضافة كماء الورد والصفصاف وماء الرمان ونحوها مما يضاهيها في الدوران وعدم وضع لفظ خاص بإزائها وذلك كما يكون هادما للاستقراء المدعى كذا يصح جعله نقضا للوجهين الأولين إذ لو تمت دلالتها على المدعى لما صح التخلف فيما ذكرنا قلت إن من المعاني ما يكون أمورا كلية مستقلة غير مرتبة بغيرها وفي ملاحظة نفسها ولا حاصلة من إضافة شيء إلى غيره ولا ضم شيء إلى شيء كالسماء والأرض والماء والنار والجبال والبحار والأنهار والتمر والزبيب والحنطة والشعير ونحوه من الذوات والرائحة والطعم واللون والحسن والقبح والعداوة والحسد ونحوها من الصفات فهذه مما يجب وضع الألفاظ بإزائها مع شدة الحاجة إليها وكثرة دورانها حسبما ذكرنا ليسهل التعبير عنها في المخاطبات وقضت ملاحظة الاستقراء وعدم إهمال الواضع وضع اللفظ بخصوصها ومنها ما يكون معاني ارتباطية وأمورا مركبة حاصلة من ضم المعاني بعضها إلى بعض كالمركبات التامة والناقصة فهناك قد وضع الواضع ألفاظا خاصة لمعانيها الإفرادية وقرر قانونا في فهم المركبات بضم الألفاظ بعضها إلى بعض وتركيبها مع آخر تركبا تاما أو ناقصا حسبما يقتضيه المعنى المقصود فجعل هناك إضافة وتوقيفا وتقييدا وجملة فعلية واسمية خبرية وإنشائية لبيان تلك المعاني المركبة على حسب اختلاف تراكيبها وهذا القدر كاف فيها ولا يجب وضع لفظ مفرد بإزاء المعاني التركيبية مما ذكر من النقض إن أريد به عدم وقوع لفظ لتلك المعاني أصلا ولو بأوضاع عديدة فهو ممنوع وإن أريد عدم وضع لفظ مفرد بإزائها فقد عرفت أنه لا حاجة إليه ومنها ما يكون أمورا جزئية متجددة على مر الدهور والأمر منه يحتاج إلى التعبير عن جملة منها جماعة دون أخرى وطائفة دون غيرها فهذا مما لا يمكن وضع الألفاظ اللغوية بإزائها لعدم تناهيها ولاختلاف الحاجة إليها بحسب